ابن ميثم البحراني

392

شرح نهج البلاغة

وأنواع الأذى ويكفى في عظم تلك الفتنة هتكهم حرمة رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم وقتل الحسين عليه السّلام وذريّته ، وهتك حرمة الإسلام بهدم الكعبة وحرقها ، وقتل ابن الزبير وسبّ علىّ عليه السّلام ثمانين سنة ، وما انتشر من البلاء وعمّ بتوليتهم للحجّاج دماء المسلمين إلى غير ذلك من منكراتهم المسطورة في التواريخ وأشار بكونها فتنة عمياء إلى ذلك ، واستعار لفظ العمى لها لجريانها على غير قانون حقّ كالأعمى المتصرّف في حركاته في غير جادّة ، أو لكونها لا يسلك فيها سبيل الحقّ كما لا يهتدى بالعين العمياء وكذلك لفظ المظلمة وقوله : عمّت خطَّتها لكونها ولاية عامّة ، وخصّت بليّتها : أي بأهل التقوى وشيعة علىّ عليه السّلام ومن بقي من الصحابة والتابعين الَّذين هم أعيان الإسلام ، وقوله : أصاب البلاء من أبصر فيها وأخطأ من عمى عنها : أي من اهتدى لكونها فتنة كان فيها في بلاء من نفسه ومنهم أمّا من نفسه فالحزن الطويل من مشاهدة المنكر ، وأمّا منهم فلأنّ المتّقى العالم بكونهم أئمّة ضلال منحرف عنهم وغير داخل في تصرّفهم الباطل ، وكان من شأنهم تتبّع من هذا حاله بالأذى والقتل فكان البلاء به أخصّ ، وأمّا من لم يهتد لكونها فتنة بل كان في عمى الجهل عنها فهو منقاد لدعوتهم الباطلة منساق تحت رايات ضلالهم جار على وفق أوامرهم فكان سالما من بلائهم ثمّ أردف ذلك بالقسم البارّ ليجدنّهم الناس أرباب سوء لهم وشبّههم في أفعالهم المضرّة لهم بالناب الضروس لحالبها ، وأشار إلى وجه الشبهة بأوصاف : فكدمها وعضّها وخبطها بيدها وزبها برجلها ومنعها درّها إشارة إلى جميع حركاتها المؤذية الرديئة وهى تشبه حركاتهم في الخلق بالأذى والقتل ومنع الوفد والاستحقاق من بيت المال ثمّ أردف ذلك بذكر غايتين لحركاتهم الشريّة وبلائهم للناس : إحداهما : أنّهم لا يتركون من الأذى والقتل إلَّا أحد رجلين إمّا نافع لهم سالك مسلكهم أو من لا يضرّهم بإنكار منكر عليهم . ولا يخافون على دولتهم من ساير العوامّ والسوقة ، الثانية أنّه لا يكون انتصارهم منهم إلَّا مثل انتصار العبد من سيّده والصاحب ممّن استصحبه : أي كما لا يمكن العبد أن ينتصر من سيّده والتابع المستصحب الَّذي من شأنه الضعف وعدم الاستقلال بنفسه ممّن يستصحبه كذلك لا يمكن بقيّة هؤلاء أن ينتصروا من بنى أميّة أصلا ، ويحتمل أن يريد هناك ما يشبه الانتصار من الغيبة ونحوها كما قال عليه السّلام في موضع